نقد:  على منوال “القهاوي”.. أمين الزاوي  و شهوة التصريحات بتقنية الهبهاب

بقلم:حمزة دباح

يقع تصريح الروائي، أمين الزاوي، الأخير بما معناه غباء قرّاء العربية وذكاء قراء الفرنسية في خط متعامد بشكل جيد مع “هدرة القهاوي”، التي تقوم أساسا على توزيع الانطباعات على نحو قد يكون أقرب لآلية عمل الهبهاب. بعبارة أخرى يمكن تصنيف التصريح في خانة “صك برك” لمقدار ما يغيب عنه التأسيس والعلمية.

ما له كيف يحكم .. هل أجرى إحصاء ودراسة قياس ذكاء ؟!

يمكن تصنيف التصريح في تلك الخانة ذلك أنه، أولا : كلام فيه عنصرية وسب لا يليق بأديب أريب يحرص على الدماثة والأدب تجاه الجمهور على شاكلة الأدب الذي يستودعه في معاملته المباشرة مع الناس عندما يكون معهم على تماس، وهذا شيء يشهد له به.

ثانيا، والأهم، أنه كلام يفتقر إلى أدنى موضوعية وتغيب عنه الروح العلمية بشكل فاضح، اللهم إلا إذا كان يملك جهاز ترمومتر لقياس الغباء، فماله أمين الزاوي كيف يقيس ويحكم؟! إذ أن ما يتطلبه الأمر كي يخرج بمثل ذلك التصريح هو أن يقوم بدراسة علمية واسعة النطاق تمر منهجيتها أولا على إحصاء أعداد القرّاء عبر أرجاء الجزائر، ثم تقسيمهم إلى فئات لغوية، وبعدها إجراء عينة علمية محكمة، ومن ثم إخضاع عناصرها لاختبارات في مستويات الذكاء. بعد كل هذا المسار الجهيد من العمل العلمي فقط يمكن أن أن يتم الخلوص إلى نتائج ذات طابع أمين محكومة بالروح العلمية لا باعتبارات أخرى.

وطالما تغيب الروح العلمية عن تصريح الزاوي، فما هي إذن الروح التي تتحرك تصريحات الزاوي مدفوعة بها؟

غريزة الأضواء والاحتفاء

يحتاج أمين الزاوي ككل كاتب أن يكون ملء السمع والبصر، لكن تكون هناك مشكلة عندما لا تستطيع الكتب رفع الكاتب إلى علياء الجماهيرية ووضعه في صدارة الأضواء، هنا تبرز الحاجة لإطلاق التصريحات المثيرة للسخط التي تعد أقصر الطرق للضوء، فالأضواء إما تكسب بالنجاح في استقطاب جمهور واسع أو بالانخراط في مهاجمة جمهور واسع قد يكون الكاتب عجز عن جلبه إليه.

حس التاجر الباحث عن أسواق خارجية

لا يحصل لأمين الزاوي سوق جمهور كبير في البلاد ولا تثير رواياته المتوالية بغزارة الجدل بين النقاد أو تجلب اهتماما واسعا بين العباد. لكن هناك خطة بديلة. ينشط أمين الزاوي بحس التاجر النشيط الذي يحتاج إلى خلق أسواق خارجية جديدة ليبيع فيها بضاعته القديمة. السوق فرنسية تقليديا فيما تتمثل البضاعة أساسا في مواضيع جلد وتحقير الذات الجزائرية؛ غير المنفتحة وغير المتسامحة، التي لا تقبل بالتنوع، وتنتج التطرّف والتخلف والإرهاب، وتكره الآخر الأوروبي واليهودي، لكن مهلا أمين الزاوي وسع مجال الآخر ضحية “مجتمعنا الهمجي” إلى “الصيني”. الحس التجاري للزاوي تفتق عن فكرة التوجه أيضا إلى السوق الصيني. وما قد يكون المنتظر هناك سوى شيء من الاحتفاء والدغدغة للفت الانتباه؛ إذ يصور في رواية “الملكة” مجتمعا جزائريا يكره الحب؛ وتعريف الحب هنا : الحب الذي أنشأه في الرواية بين مهندس صيني من ديانة حتى غير توحيدية وموظفة جزائرية حملت منه خارج الزواج وتستمر منخرطة معه في علاقة غير شرعية لا تلتفت للعامل الديني وتواجه “زعما” همجية مجتمع يصل به الأمر إلى الرشق بالحجارة.

تملق السوق والجوائز الفرنسية

يتبع أمين الزاوي هذا الأسلوب التسويقي سواء في التصريح أو الكتابة كأقصر الطرق نحو الضوء والاستثارة والاحتفاء، وقبل التوجه إلى السوق الصيني يتواجد ببضاعته في السوق الفرنسي منذ سنوات طويلة بعنق مشرئبة الأمل لنيل شيء من نعم البهرج والاحتفاء التي تسبغها فرنسا على مرضييها؛ في صورة المدلل الكبير كمال داوود الذي ليس في الحقيقة كاتبا روائيا بقدر ما هو أحد منتوجات التصنيع الثقافي الفرنسي. يمر الرضا في حالة السوق الفرنسي، كما هو معروف، على تلبية حاجات تقليدية عن إنسان جزائر ما بعد الاستعمار؛ العنيف، المتخلف، المتطرف، عدو التسامح والحب والجمال، فاقد الشخصية والمستغرق في الشبق والشهوانية.

تناقض صارخ في موضوع سطوة المقدس على العربية

تقودنا البورنوغرافيا والشهوانية بارزة الحضور في روايات أمين الزاوي إلى درجات تخصيص مساحات واسعة للعلاقات غير الطبيعية؛ تقودنا إلى تناقض صارخ لا يجد أمين الزاوي حرجا في ممارسته في تصريحاته من نوع “صك برك”، فبينما يدرج على التقليل من حياة وحيوية اللغة العربية معتبرا إياها لغة واقعة تحت سطوة المقدس وعاجزة عن التحرر من وطأته، ينخرط بالمقابل، أولا، في الكتابة بها، وثانيا، في استعمالها ببورنوغرافية مستغرقة داخل رواياته المكتوبة بالعربية، ومنها “الملكة” و “قبل الحب بقليل”، بل يصل معه الأمر في “خوض المدنس” حد الإيغال في نسج العلاقات الشاذة والمحارمية، وكل ذلك دون أن تعدمه الكلمات ودون أن يمنعه المقدس.

تواجد قرب أحضان اللوبي الفرانكوفوني

وبالعودة إلى الحس التسويقي مرفودا بـ “البضاعة المدنسة” يدرك أمين الزاوي أن السلعة التي التي يشتغل عليها تتزايد أهميتها وترتفع أسمهما في الوقت الحالي بالجزائر، ليس فقط باعتبار إمكانياتها الخارجية كأقصر طرق تملق الجوائز الفرنسية والاحتفاء الأجنبي، بل للأسف، صارت تفيد في التزلف الداخلي والتواجد على مقربة من اللوبي الفرانكوفوني الموالي لفرنسا؛ المتنفذ في دوائر السياسة والإدارة والاقتصاد والإعلام والذي تصادف لديه مثل هذه السلع هوى كبيرا.

وفِي الأخير، طبيعي جدا أن تضطرنا خرجات مثل هذه للتشكل كتابيا ضد السيد أمين الزاوي ولو بطريقة فيها بعض الحدة في المباشرة. ذلك أنني واحد من جمهور الناس الذين يقرأون بالعربية ووقعوا تحت طائلة الإهانة المضمنة في تصريحه فاقد العلمية والتأسيس. ومع ذلك أتمنى له أن يكون ناجحا كروائي مثلما هو بارز كنموذج ثنائي جميل للمثقف البارز وللأناقة والرومانسية مع الشاعرة ربيعة وأن يضفي على رواياته إشعاعا من الجمال والعمق يجتذب الجمهور عوض أن يهينه، ويخرج بالقراء من دوائر المستهلَك والبرونو إلى عوالم أرحب من التجديد، وأن يرحمنا جميعا من مواضيع تشنيع الذات الجزائرية في مقابل تمجيد الآخر.

حمزة دباح (إعلامي جزائري مقيم في بدبي)

12 11 2017

عن Salma Salma Rochdi